الرئيسية / كتـاب واراء / تحديات في طريق المستقبل الدعوي والفكر الإسلامي

تحديات في طريق المستقبل الدعوي والفكر الإسلامي

من يقرأ التاريخ، يرى الحوادث والشواهد، التي تدل على التحديات والمواجهات التي يواجهها الفكر الإسلامي المعاصر، وتواجهها الدعوة الإسلامية بصفة خاصة، حتى أصبحت قضية مصيرية في كتابات وحياة الباحثين المهتمين بالدعوة الحق وما يتبعها.
ولعلنا في هذا السياق نحلق حول أبرز وأهم التحديات التي تواجهها الدعوة الحق، لنقف سوياً في مواجهتها، والعمل على بث روح الدعوة الإسلامية، وإنسانيتها عبر السبل والوسائل الممكنة لذلك.
حين تقف النفس حسرة!! على ما آلت إليه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث مخالفة لقاعدة (الرجل المناسب في المكان المناسب) أدى إلى ما هي عليه الآن في كثير من البلدان التي تهتم بالعمل الدعوي الإسلامي، أدى لضعفها وعدم وعيها بأهمية الدفاع عن الدعوة الحق، وضرورة وجود باحثين مختصين يهتمون بالدفاع عنها، ولعلي ألاحظ أن هذه المواجهات العنيفة التي ترد إلينا يوماً بعد آخر، كون هذه الدعوة الحق، تستند لفكر ذا رسالة إنسانية كبيرة، تحمل بين طياتها مشروعاً حضارياً راقياً، ينطلق من موقع الثقافة والفكر ليصل إلى مواقع الحياة الإنسانية جمعاء، وهنا يقول أحد الباحثين في الشأن الدعوي ” إننا نريد إعادة وتغييراً جذرياً في بنية العقلية السائدة تاريخياً، وبوصلة اتجاهاته الراهنة، عن طريق الاحتكاك والتواصل على جميع المستويات –وربما الاشتباك والمساجلة- مع باقي الحضارات والمذاهب والأفكار المتوازية معه، أو حتى المناقضة له.”
ومن خلال رؤيتنا يمكن أن نلخص التحديات التي يواجهها الفكر الإسلامي لتحديد الطريق الأمثل للدفاع عن الدعوة الحق في التالي:
1. العولمة الثقافية:
ويُعبر مصطلح العولمة الذى تداول المفكرون والباحثون استخدامه منذ عقد من السنين ( منذ نهاية الثمانينات) عن تحول عالمي في رؤية كثير من المرتكزات في مجال القيم الأخلاقية والاقتصاد والسياسة التي كانت سائدة على المستويات الوطنية، والإقليمية ، والدولية بين البشر.
ويذكر أحد الباحثين قوله في موضوع بعنوان العولمة (مفهومها – أهدافها – خصائصها): ” كما أنها – العولمة – تحمل في طياتها الكثير من المخاوف التي يُعبَّر عنها من خلال وسائل الإعلام المختلفة على أنّها ظاهرة يجب الاستعداد لها، لما تحمله الثقافة من أهميّة كبيرة في حياة الأفراد؛ فهي التي تميز الأجناس البشريّة عن بعضها البعض، وهي التي تؤكد الصفة الإنسانيّة للجنس البشري”
وكي نعالج هذا الأمر ينبغي علينا دعم القيم الدينيّة والروحيّة اعتماداً على دور الدين في التاريخ والتراث والحياة المعاصرة، وإيجاد توازن بين رسائل المؤسسات المرتبطة بمختلف الجوانب التعليميّة والثقافيّة، والرسائل الترفيهيّة بشرط عدم التعارض مع القيم التنمويّة، والعمل على تنمية الجهود التي تهدف إلى حماية الخصوصيّة الثقافيّة.
2. الهوية الثقافية:
ويُعرِّف الأستاذ / حمدي سليمان، الهوية الثقافية في مؤتمر أدباء مصر في دورته الثامنة والثلاثين، كتاب الأبحاث ـ 2012، ص 77. بأنها ” مجموعة من السمات والخصائص التي تنفرد بها الشخصية العربية الإسلامية، وتجعلها متميزة عن غيرها من الهويات الثقافية الأخرى، وتتمثل تلك الخصائص في اللغة والدين والتاريخ والتراث والعادات والتقاليد والأعراف وغيرها من المكونات الثقافية المختلفة. وهناك من يعرف الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم بأنها: القدر الثابت والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية طابعًا يتميز به عن الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى.
ومن خلال هذا التعريف يجدر بنا القول لأن نقول بأنه لزاماً علينا أن نُجدد التراث الثقافي في عقولنا، وذلك بإعطائنا الأولوية للواقع على بعض تأويلات النصوص المتعارف عليها بين طيات الكتب وثنايا الأبحاث المتخصصة، لأننا جميعاً نعاني بل نكاد نعترف بأن الواقع في خطر، والنصوص في أمان، والمصلحة ضائعة تائهة، والنص ثابت وقائم.

 

3. الثقافة المعرفية والمعلوماتية:
تعد المعرفة أحد ابرز وأهم المكونات المساعدة في دحض كل ما من شأنه أن يعادي، فليس بالضرورة أن تكون كثرة المعلومات شيئاً ذا قيمة في مجتمع لا يُحسِن استخلاص ما تحتويه هذه المعلومات من مفاهيم وعلاقات قيمة وطيبة، بل وقيم ومثل عليا لتنهض الأمة وتكون في طليعة الأمم، ولعل الركيزة الأساسية والقصوى في ذلك هي معالجة ما تم حفظه في الذاكرة من معلومات، وهنا يبرز الدور المهم والفعال، الذي تلعبه هذه المعلومات في سرعة الاستجابة والمعالجة لقضية من القضايا التي نواجهها واسترجاع ما يمكن معالجته في وقت قياسي.
ويجدر بنا أن نقول: بأنه لمن الواجب على القادة والمسؤولين في السياسة الدعوية وواضعي خططها وأسسها أن ينظروا لمدى تأثير هذه المعرفة والمعلومات على المجتمع.. لماذا؟ لأن الاهتمام بها نابع من مدى أهميتها في تطور المجتمعات ورقيها حيث تُعد الأخلاق جانباً مهماً في جلب الخير والعلم والمعرفة (انظر مقالي بعنوان ” أثر الأخلاق الإسلامية في نهضة المجتمعات الإنسانية”)، وحتى تؤتي الأخلاق والثقافة ثمارها يجب الانتصار لثقافة النقد، حيث يُعدّ أحد أهم ركائز حركة التجديد المفترضة، من أجل سَدِّ الثَّغَراتِ الفكرية والعملية الكثيرة التي يَنْفُذ من خلالها الآخر إلى مصالحنا، يقول أحد الباحثين : ” بل وينبغي مراعاة عدم الانبهار بكل جديد لمجرد كونه جديداً، بل من الواجب أن تعيش المسألة ميدانياً وبحسب طبيعتها وواقعيتها؛ وذلك بأن تؤمن بضرورة تحريك مدلول النص المقدس، وقابليته للتطور في امتداد الحياة ورحابة الوجود؛ لترسيخ ثقافة الحوار العقلاني، وقِيَمِ الانفتاح والاعتراف بالآخر، والإيمان بوجوده بين مختلف التيارات والقوى السياسية والثقافية؛ عدم الاستسلام والركون أمام الوقائع المستجدة، وإلغاء لغة الإحباط وعقلية المحافظة من ثقافة الدين الأصلية، لأنّ ذلك سيؤدي – إن حدث – إلى مزيد من العجز والفقر الثقافي والتبعية، والغزو؛ وأخيراً، تأسيس الثقافة الإسلامية نفسها على قواعد ومقدمات خطاب العقل والمحاكمة العقلية، لأنّ نظامنا الثقافي التقدمي وغير التقدمي الحالي قائم على مسبقات (وأحكام) واعتقادات وهمية وخرافية غير صالحة للحياة”.
وخلاصة الأمر إن أردنا فعلاً نهوضاً بالدعوة وفكراً مستنيراً يناسب عصر التحديات فإنه يجب أن نوقن بأنه لا يمكن مجابهة هذه التحديات والمخاطر إلا بالانفتاح وإحداث تغييرات ثقافية معرفية تُعيد التوزان الثقافي الإسلامي إلى فاعليته الحقيقية لنعيد بناءه، بطريقة تتناسب مع طبيعة المرحلة التي نحياها، وكي يتم البناء بطريقة محكمة يجب أن نصيغه بصورة تناسب منطلق التطور ودينامية الإبداع البشري فيه. وهنا تحديداً علينا جميعاً ألا نهرب من تحمل مسؤولياتنا التاريخية الحاضرة والمستقبلية، وألا ننكص إلى الوراء لنتهم العقل الإسلامي البشري المنضبط بالاستقالة والعجز والضعف، ونجلس لنبحث عمن يأخذ بأيدينا للنهوض.
وختاماً : فإن العالم الإسلامي لا يزال يختزل بداخله معنى الأمة التي هي : “خير أمة أخرجت للناس تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر”، حيث يمتلك من النماذج الثقافية والاجتماعية والحضارية والإنسانية ما يُمَكِنُّه من صناعةٍ للحاضر ووضع استراتيجية محكمة للمستقبل تحت قيادة علمية بحثية متخصصة تنطلق تحت عنوان “الاستخلاف الرباني” كمركز ثابت ومركزي داخل بنية التفكير الإسلامي “إنّي جاعل في الأرض خليفة”.
أخوكم/
حجازي عبد النبي
باحث في الدراسات والشؤون الإسلامية

شاهد أيضاً

الاعلامية هبه حمدون 16 ما س العيد القومى للمراءة المصرية

العيد القومي للمراه المصريه. يعتبر يوم السادس عشر من مارس هو يوم المراه المصريه وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *